وقفة مع كتاب " الأحلاف في القبائل العربية " للدكتور الصاعدي ـ غفر الله له ـ.

 

لقد قرأت رسالة الدكتور عبد الرزاق الصاعدي ـ غفر الله لنا وله ـ والتي عنونها بـ " الأحلاف في القبائل العربية " ومقصده منها ـ بصره الله بالحق ـ تقرير نسبة بطون قبيلة حرب إلى الأنصار، وتقريراته خاوية من نصوص أهل النسب، قائمة على " الظنون والفرضيات " مُعطلة لقواعد أصول علم النسب وعلى رأسها " الشهرة والاستفاضة " وهذا منه لما عَلم إفلاسه من نصوص أهل النسب والشهرة والاستفاضة لتلك البطون التي يريد نقلها للنسب الأنصاري بغير حق.

فقام ـ هداه الله ـ بتعطيل الأخذ بنصوص وإعمال العقل ـ الهوى ـ وترك الرجوع إلى أهل الاختصاص، وعدم التقيد بكلامهم، ليجيز للجاهل الكلام في أنساب الخلق بحجة أن له عقل، ومن عباراته في صفحته على " تويتر ":



وهذا كله تعطيلاً للنصوص والرجوع إلى أهل الاختصاص في مسألة عليها ( مطمع ) وهو النسب الأنصاري، وتحكيم هواه ليصبح أنصارياً دون أن تكون له شهرة واستفاضة بهذا النسب ولا بنقل نصوص العلماء في تعيين أنصاريته، وإنما إعمال العقل لهوى ومنفعة تتعلق بأصله وفصله الطيّب الكريم، دون الحاجة لقواعد الشريعة في ثبوت الأنساب ونفيها، ورحم الله الحافظ السخاوي القائل في " استجلاب ارتقاء الغرف " (2/632): ( وعجيب من قوم يبادرون إلى إثباته، بأدنى قرينة وحجة موهمة، يسألون عنها يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم )، ورحم الله الحافظ ابن حزم القائل في " المحلى " (1/23): ( والحكم للنصوص، لا للدعاوى والظنون ).


وأنا في هذه الوريقات، لن أعلق على كل ما جاء في رسالة الدكتور عبد الرزاق الصاعدي ـ عفا الله عنا وعنه ـ وإنما تعليقنا على لُب رسالته، وهو كلامه عن ما سماه بـ ( الحلف الكامل ) ومقصده من الحلف الكامل تقريره وتمثيله ببطون قبيلة حرب أنها أنصارية وأخذت اسم ونسب حرب، حيث قال في ( ص 5): ( الأول: الحلف الكامل: وهو حلف النسب، فيه تدخل قبيلة فتأخذ اسمها ونسبها، كتنوخ والعتق وغسان، فهم من بطون شتى، ومنه دخول قبائل صغيرة أو بطون أو أفناء في قبيلة كبيرة، وهذا كثير الوقوع في قبائل العرب في جميع عصورها، فلا تكاد تجد قبيلة كبيرة إلا وفيها أحلاف انضوت تحت جناحها وأخذت اسمها ونسبها، ومنه دخول مزينة وأسلم وغفار وبعض قبائل الأوس والخزرج من الأنصار في قبيلة حرب، وهذا النوع من الأحلاف هو الذي يعنيني في هذا البحث ) فهذا مقصده من كتابته لهذه الرسالة وما يعنيه في بحثه.


وتعليقنا على كلامه ـ غفر الله له ـ على هذا النحو:


أولاً: البطون والأسر التي انضوت تحت قبيلة حتى أخذت اسمها ونسبها، ( مع ) تمييزها وتعيينها من بين بطون تلك القبيلة، لا يُسمى هذا ( حلف كامل ) لعدم كماله أصلاً؛ لأن هذه البطون المنضوية في تلك القبيلة محفوظة ومعروفة النسب أنصارية أو غفارية عند علماء النسب ومحفوظة النزول فيهم، وإلا كيف علم أن هذه البطون أنصارية وغفارية وهي منصهرة انصهارا كاملاً حتى اختفى اسمها ونسبها وأخذت نسب واسم غيرها؟!

فمعنى الكامل هو الانصهار التام والاختفاء الكامل لنسبها واسمها، وعلى ظنون وفرضيات الدكتور الصاعدي ـ غفر الله له ـ فإن بطون الأنصار في قبيلة حرب واضحة ظاهرة بمسمياتها لا تحتاج إلى نصوص وقواعد علم النسب لتعيينها والإشارة إليها، فكيف يكون حلفا كاملا باختفاء نسبها واسمها، وأنت تستخرج هذه البطون وتُميزها دون الحاجة إلى النصوص والشهرة والاستفاضة؟!

فهذا من التناقض والتقريرات المُبطلة لدعواه.


ثانياً: قوله: " الأول: الحلف الكامل: وهو حلف النسب، فيه تدخل قبيلة فتأخذ اسمها ونسبها، كتنوخ والعتق وغسان، فهم من بطون شتى " وهذا الكلام منه لعدم فهمه منهج أهل النسب، فإن قبيلة غسان بإجماع العلماء أنهم أبناء رجل واحد، اجتمعوا وشربوا من ماء غسان، وهم: ( جفنة، الحارث، ثعلبة، مالك، كعب، عوف ) وكلهم بنو عمرو بن عامر بن ماء السماء، قال ابن الكلبي في " نسب معد واليمن الكبير " (471): ( فكل بني عمرو يقال لهم: غسان ).

وقال ابن حزم في " الجمهرة " ( 331): ( فكل ولد عمرو بن عامر يدعون غسان ) وهذا هو كلام الحافظ ابن حزم المُحرر في نسب ( غسان ) ولم يذكر أهل النسب أن مسمى غسان هو لبطون حِميرية وأزدية ولخمية وقرشية وعامرية واجتمعوا وأطلق عليهم اسم ( غسان ) وإنما هم أبناء رجل واحد تكاثروا وتفرعوا وصاروا بطونا، فاجتمعوا وشربوا من ماء غسان، فعرفوا بهذا الاسم وصار لهم نسباً، واكتفت بهذا الاسم عن النسبة إلى الأزد، ومن زعم أن غسّان ليسوا من صلب رجل فقد خالف أهل النسب قديماً وحديثاً.

وأما تنوخ، فهي قبائل وبطون قُضاعية وليس فيهم من ليس من قُضاعة، وهم ( الصميم )، قال أبو عبيدة في " النسب " (368): ( وهم من بطون قُضاعة خاصة دون غيرها ) ودخل معهم ( الأحلاف ) من قبائل العرب، وعُرفوا بهذا الاسم، فكانت تنوخ تصون نسبها وتمُيزه بما وصفوه بينهم بـ ( الصميم والأحلاف ) وجمع ذلك وبينه النسابة أبو علي المُحسن بن علي التنوخي في كتابه ( نسب تنوخ الصميم والأحلاف ) فيما أطلعت عليه من نقولات أهل الحديث عنه.

والصميم منها بطون قُضاعية مرجعهم أب واحد، وأما الأحلاف فكانوا من بطون عربية أخرى مثل مذحج وغيرها وليست قُضاعية، فكان أمر الصميم والأحلاف منها معلوم ومحفوظ، وليس أمرها في خفاء وانصهار وتمازج بحيث لا يتميز الصحيح من اللفوفة، بل أمرها واضح ونسبها معلوم عند أهل النسب، كما نقل لنا ذلك تمييزاً وتوضيحاً النسابة أبو علي التنوخي في كتابه ( نسب تنوخ الصميم والأحلاف ).

 

ثالثاً: ضرب الدكتور الصاعدي ـ غفر الله له ـ مثالاً على ( الحلف الناقص ) بحلف أسدٍ وغطفان، وقال: ( ص5): ( وهو مؤقت ينقضي بانقضاء المصلحة ) وهو تمثيل في غير محله؛ لأن حلف أسد وغطفان ليس مؤقت بل هو حلف دائم على النصرة والعون، حتى اشتهروا به في الجاهلية والإسلام، وخاطبهم النبي r به، بقوله: ( والحليفين أسدٍ وغطفان ) ولم ينقطع بانقطاع المصلحة والحاجة.


 رابعاً: الأحلاف الأصل فيها ( التعاهد والنصرة ) وعليه تقوم حياة العرب قديماً وحديثاً، ودخول بطون وعشائر في قبائل أخرى أمر لا يُنكر، وهو دخول محفوظ نسباً، وقد نقل الدكتور الصاعدي نقولات كثيرة عن ابن الكلبي وغيره في دخول بطون وعشائر في قبائل أخرى، دونها وقيدها أهل النسب صيانة وحفاظا على الأنساب.

فكل ما ذكره الدكتور الصاعدي ـ غفر الله له ـ من نقولات وأمثلة، ولله الحمد نقلها من تدوينات أهل النسب لحفظهم هذه الأحلاف، ولا يستطيع هو أن ينقل لنا نصاً واحداً ولو بصيغة ( التمريض ) أنه من الأنصار ودخل في حرب حلفاً، فهنا يترك النقل وتدوينات أهل النسب في حفظ الأنساب وتدوين دخول البطون والعشائر في بعض القبائل، ليخرج إلى دائرة ( الفرضيات ) و تحكيم ( الهوى ) في فرضيةِ أنه من الأنصار ودخل في حرب؟ وركونه إلى ( تشابه الأسماء ) وتعطيل النصوص والشهرة والاستفاضة!


خامساً: الأحلاف في القضايا النسّبية والتي يحوم حولها هؤلاء ـ غفر الله لهم ـ ويقصدون منها: ( الانصهار ) في القبيلة، على قسمين:


·              دخول محفوظ: حفظه أهل النسب وقيدوه في مؤلفاتهم تعيينا وتمييزاً، كما هي النقولات التي نقلها لنا الدكتور الصاعدي عن ابن الكلبي وابن حبيب والبلاذري.

·              دخول غير محفوظ: وهذا لا نستطيع تعيينه وتمييزه إلا إذا وقعنا على أقوال لأهل النسب أو وقعت لهم شهرة واستفاضة.

·              دخول محفوظ مجهول النسِبة: ومثال ذلك: دخول بطون قبيلة إياد في طوائف الروم، قال ابن الكلبي كما في " الأنساب " ( 63) للصحاري: ( فلحقت طائفة منهم بالشام، فدخلوا في الروم فتنصروا، فجهل الناس أنسابهم ).

فدخول بطون إياد محفوظ لكن مجهولة أنسابهم فيهم، فلا يتم تعيينهم وتمييزهم.

وتقريرات الدكتور الصاعدي ـ غفر الله له ـ تخالف أقواله، ونسأله:

هل دخول بطون الأنصار محفوظة في قبيلة حرب؟!

إذا قال: نعم، دخول محفوظ.

قلنا له: هات لنا نصوص وتقييدات أهل النسب في ذكر هذه البطون الأنصارية التي دخلت واندمجت مع قبيلة حرب، تعيينا وتمييزاً.

تجد منه ـ غفر الله له ـ الهروب من هذا المطلب الشرعي، واللجوء إلى تعطيل النصوص وتعطيل الشهرة والاستفاضة، والركون إلى الغمغمة والظنون وتشابه الأسماء، والله المستعان.


سادساً: نقل الدكتور الصاعدي ـ غفر الله له ـ عن العلامة الجاسر والبلادي ـ رحمهما الله ـ نقولات تُبين دخول بعض بطون ( كنانة وسُليم وخزاعة ) ولم يذكر الجاسر دخول الأوس والخزرج في قبيلة حرب ليستشهد به في مقصوده من نسبة بطون حرب للأوس والخزرج!

وكذا نقولاته عن البلادي، ولم يذكروا وهم أبناء حرب دخول الأوس والخزرج في قبيلة حرب، ولا أشاروا ولو بصيغة التمريض بأنهم من الأنصار.

فهذه النقولات منه، لفتح باب الفرضيات، بقوله: ولماذا لا تدخل الأوس والخزرج في حرب؟! وإلا أين ذهبت تلك القبائل ـ هكذا ـ يزعم!، لتعلموا أن تلك النقولات والتقريرات منه لجواز دخول الأنصار في قبيلة حرب، ونقول له كما قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في " الإصابة " ( 2/445): ( تجويز الوقوع لا يستلزم الوقوع ) والأمر ليس من باب الفرضيات والظنون والتجويزات، وإنما الأمر بالنصوص وما اشتهر وشاع، ولا يملك الدكتور الصاعدي ـ هداه الله ـ النصوص في نسبة بطون حرب للأنصار ولا شهرة واستفاضة ولا أدنى طريقاً شرعياً يُجيز له نسبة بطون حرب إلى الأنصار إلا الظنون والفرضيات والاعتماد على تشابه الأسماء.

هذا ما أحببت كتابته في التعليق على بعض كلام الدكتور عبد الرزاق الصاعدي ـ عفا الله عنا وعنه ـ ووفقه الله للرجوع إلى الصواب.

وكتبه:

أبو سهل أحمد أبوبكرة التُرباني