من المعلوم أن ( الأحلاف ) عند العرب ثابتة لا تُنكر،
قائمة على ( العهد والعقد ) على مفهوم ( النًصرة والتعاون ) والأنساب بينهم محفوظة،
جاء في " صحيح مسلم " ( 6441) عن النبي r: " أسلم وغفار ومزينة ومن
كان من جهينة خير من بني تميم وبني عامر، والحليفين أسدٍ وغطفان ".
كان يقال للطائفتين أسدٍ وغطفان ( الحليفين ) وكان ذلك
لما نشب الخلاف بين قبيلة أسد وخُزاعة، حالفت أسد غطفان، وهذه القبائل بيضة
أنسابها محفوظة ولم يدفع هذا الحلف المشهور بيضة أنسابهم ويُغيب أعراقها ويمزجها
في قالب واحد كما يدندن علوج الغرب من المستشرقين.
فالأحلاف ثابتة بين العرب على ثبات أنسابها لا على (
الانحلال والانصهار ) واعتنت العرب بتنخيل أنسابها من العنصر الخارجي بناء على
نسابتها وما اشتهر بينهم واستفاض، قال الصحابي حاطب بن أبي بلتعة كما في "
صحيح البخاري " (4890): " لا تعجل علي يا رسول الله r،
إني كنت امرءاً من قريش ولم أكن من أنفسهم " قال الحافظ ابن حجر في "
الفتح " (7/5070): ( قوله: " كنت امرءاً من قريش " أي بالحلف،
لقوله بعد ذلك: ولم أكن من أنفسهم )، فحاطب بن أبي بلتعة من لخم ودخل في قريش
حلفاً، فحفظ نسبه وحفظ حلفه.
وحفظ نسب الصحابي حذيفة بن اليمان رغم أن جده قد أصاب في
قومه دماً، فهرب إلى المدينة وحالف بني عبد الأشهل من الأنصار، فحفظ نسبه العبسي
ولم يغيب بغيابه في بني عبد الأشهل.
فالأحلاف والأنساب محفوظة غير مخفية على علماء الأنساب،
والأمثلة كثيرة، وخذا هذا مثلاً، قال ابن الكلبي في "نسب معد واليمن الكبير
" (156) عند نسب " النمر بن وبرة ": ( دخلوا في بني تغلب أعداداً،
وهم على نسبهم ).
ومن دخل في بعض القبائل وحمل اسمها وصار يُعرف بها، تجد
أهل النسب ينبهون على ذلك، وخذ مثال الصحابي الجليل ( عبد الله بن أنيس الجهني )
دخل في جهينة وهو من البرك بن وبرة، قال ابن الكلبي كما في " أسد الغابة
" (3/178): ( دخل ولد البرك بن وبرة في جهينة ).
فالأحلاف والدخول ثابتة لا تُنكر، ولكن أمرها محفوظ عند
أهل النسب وما اشتهر عنها واستفاض.
واشتدت العناية بهذا الحفظ لما جاء الإسلام، قال تعالى:
" وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض " وقال r: " ليس من رجل ادعى لغير
أبيه ـ وهو يعلمه ـ إلا كفر بالله، ومن ادعى قوماً ليس له فيهم نسبٌ فليتبوأ مقعده
من النار " فقامت الغربلة والتمييز من أهل الضبط والحفظ بناء على قاعدة جليلة
مكّن لها الإسلام وقامت بها الأحكام، وهي: " الشهرة والاستفاضة ".
ومن شدة اعتناء العرب في تمييز أنسابها، أنهم ميزوا بين
أبناء النسب الواحد بمصطلح ( الإقعاد والإطراف ) وانتقلوا لحفظ انساب مواليهم
وتمييزهم صيانة لأعراضهم، فقالوا: " مولى من أسفل " و " مولى من
أعلى ".
فالأصل أن الأحلاف محفوظة والأنساب مصونة، ولما شاهد
المستشرقون هذا الاعتناء الشديد من العرب في أنسابها، قاموا ببث الشُبه والأباطيل،
فكانت ( قضية الأحلاف ) مدخلاً لهم لنشر سمومهم واحتضنها بعض أبناء العرب ممن
سلكوا سبيلهم، فكانت مقاصد هؤلاء في " قضية الأحلاف " على ثلاثة
مقاصد"
·
المقصد الأول ـ مقصد استشراقي ـ: وهو مقصد قائم
على نخر انساب العرب وتفكيك أصولها، ورافع راية هذا المقصد الخبيث؛ المستشرق
اليهودي ( جولدتزيهر ) حيث زعم أن الأحلاف بين العرب هي أساس تكون أنسابها، أي: (
قريش، خزاعة، لخم، هذيل، جذام ... ) هي قبائل اجتمعت عند ( صنم أو شجر أو حجر )
وتكونت لمصالح ومنافع وصارت قبائل، والأصل فيها أنها مزيج من عدة آباء.
وقام الدكتور جواد علي ـ ربيب المستشرقين ـ بنشر سموم
هذا المستشرق اليهودي وتأييد أقواله في كتابه " المفصل " وجواد علي الذي لم يميز ( حلف الأحابيش ) فزعم
أنهم من رقيق الحبشة والسواحل الأفريقية، فانخدع بالاسم؛ لأنه ليس من أهل النسب
والتاريخ، فلو كان كذلك لعرف أن حلف الأحابيش كان بين ( بنو الحارث بن كنانة و
الهون بن خزيمة وبنو المصطلق من خزاعة ) تحالفوا تحت جبل يقال له: ( الحبشي ) وقام
ونسب قبيلة الحارث بن كعب إلى الجنس الأفريقي.
فمدرسة الاستشراق ومن تأثر بها جاءت للطعن والتفكيك
والنخر في أنساب العرب.
قال النبي r: ( إن الله اصطفى كنانة من ولد
إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريشٍ بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم
) ففي هذا الحديث أن بني هاشم من صُلب قريش، وقريشاً من صُلب كنانة، وكنانة من
صُلب إسماعيل، أنساب متصلة من الآباء إلى الأجداد، وليست تجمعاتٍ وتكتلاتٍ من عدة
آباء.
وسأل النبي r وفد عبد القيس، فقال: ( من القوم؟
قالوا: ربيعة ) وهذا فيه تعبير البعض بالكل، فعبد قيس بطن من ربيعة، فكانت عبد قيس
من صُلب ربيعة، وليست حلفاً جمع الغريب والقريب وتكونت هذه القبائل والأنساب،
والأدلة كثيرة جداً في دفع مقاصد هؤلاء.
·
المقصد الثاني ـ مقصد
الأدعياء ـ: وهو استغلال قائم على ( التنصل ) من نسب القبيلة المنسوب إليها،
لينفرد بفرعهِ ويتنصل من هذه القبيلة، وينتسب إلى: ( قريش أو الأنصار أو خزاعة ...
الخ ) بدعوى أن القبيلة التي نُسب إليها عبارة عن أحلاف من فروع عدنانية وقحطانية،
وأنا من ذاك الفرع العدناني أو القحطاني.
وهذا التنصل منه قائم على ( الظنون والتخمينات ) وعلى
طريقة أصحاب المقصد الأول ـ المقصد الاستشراقي ـ؛ لكن لمطامع نسبية أرادها.
وهذا الصنف ما أكثره اليوم، تجده يعمد إلى قبيلة معروفة
النسب، فيقوم بتفكيك بطونها بناء على أقوال عامة ومغمغمة وتنزيلها على فروع معروفة
النسب مستغلاً شُبهة ( تشابه الاسم والدار) طارحاً النصوص الواضحة وطارداً لقاعدة
" الشهرة والاستفاضة " المانعة من تنصله، حتى أن بعضهم من شدة جهله يزعم
أن علم النسب ليس اختصاص ومن الضعف أن نلتزم بالنصوص، فلابد من تحكيم العقل، وهو
أبعد الناس عن العقليات، فالعقل السليم يُقدم صاحب الاختصاص، والمشكلة الكبرى أنه
ممن له اهتمام في اللغة، ويعلم أهل اللغة ـ إن كان على طريقتهم ـ أن الظن
والتخمينات لاتُبطل رواية ولا تزحزح شعراً كما قال أبو علي القالي في "
المقصور و الممدود " (178): ( الشعر سبيله أن يُحكى عن الأئمة كما تُحكى
اللغة، ولا تبطل رواية الأئمة بالتَّظني والحدس ) فما باله يعتمد على التظني
والتخمينات في أعراض الناس والتي هي أعظم من الشعر، وإن طالبه العقلاء بالنصوص فرَّ
وغاب وطعن في هذا المنهج السليم الذي يحترمه الشرع والعقل.
فإذا قلنا أن هذا الفرع عدناني دخل في تلك القبيلة
القحطانية، لا يكون كلامنا إلا عن علم وبالرجوع إلى أهل الاختصاص ونقل نصوصهم وما
أشتهر واستفاض عنها، وهذا هو منهج أهل النسب في الكلام على الأنساب اتخذوه ميزاناً
لقبول الأنساب ورفضها، بعيداً عن الآراء الفارغة والظنون الزائفة والتخمينات
الفاسدة والتي لا مكان لها في علم أعراض الناس.
·
المقصد الثالث ـ مقصد
الحسد والهدم ـ: وهو مقصد قائم على الحسد والتنزيل من قدر الناس، فإذا
قرأ وسمع عن قبيلة لها مناقب ومآثر، قام وقعد وقال: ( هذه القبيلة فيها دخلاء
ولفوفة كثيرة، وما حصل لها من مناقب ومآثر فهو لغيرها وليس لها ).
فيقوم بتفكيك تلك القبيلة وتشتيت فروعها للوصول لمقصده
الخبيث.
هذه المقاصد الثلاثة غاية هؤلاء وطريقهم لاستغلال مسألة
( الأحلاف ) والتي ـ بحمد الله ـ محفوظة معروفة قبل أن يخلقهم الله.
وقد يقول بعض الناس، ما معنى قول النبي r: (
حليف القوم منهم )؟!
قلت : هذا في النُصرة والتعاون والمؤاخاة لا في الأنساب،
فقد حالف النبي r كما
في " صحيح البخاري " بين قريشٍ والأنصار، فكان ذلك في التعاون والتآخي
لا في الأنساب، فالحليف لهم حُكم النُصرة إذا ظُلم وليس له حكم النسب.
وقد يقول بعض الناس: رأينا ضياع بعض انساب العشائر التي
دخلت في بعض القبائل بالحلف.
قلت : قولك: ( رأينا ) دليل علمك بدخول تلك العشيرة في
تلك القبيلة، وهذا من حفظ الأنساب.
فالدخول والانصهار ثابت، لكن بعضها محفوظ الدخول وبعضها
غير محفوظ، وهي على هذا النحو:
أولاً: عشيرة محفوظة الدخول: هذا مشهور ومنتشر بين
العرب، وهو دخول محفوظ، والأمثلة كثيرة جداً في كتب الأنساب.
ثانياً: عشيرة غير محفوظة الدخول: لا يُمكن لنا أن نحكم
بأنها عشيرة حلفاً لا نسباً طالما غير محفوظ دخولها، إلا بأقوال علماء النسب أو ما شاع واشتهر عن أهل الضبط
والحفظ، وأما الحكم عليها بأنها عشيرة دخلت في تلك القبيلة بالحلف دون النصوص
الكاشفة لنا هذا الدخول، فهو من العبث في الأنساب.
فالحكم على الفرع بأنه دخل في تلك القبيلة بالحلف، يحتاج
إلى أقوال أهل النسب والشهرة والاستفاضة، قال ابن حزم في " المحلى " (
1/303): " والحكم للنصوص لا للدعاوى والظنون " ولو تركنا الباب دون هذه
الضوابط لجاز لكل أحد أن يحكم على فلان وعلان بأنه ليس من أبناء القبيلة وقام سوق
الطعن في أعراض الناس بناء على الدعاوى والظنون.
وكتبه:
أحمد بن سُليمان بن صبّاح أبوبكرة التُرباني
جرش ـ الأردن
17ـ صفر ـ1443هـ