الحمد لله والصلاة
والسلام على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلى آله وصحبه أجمعين؛ وبعد:
فقد شاع واشتهر بين
طلبة العلم كتاب ( عروبة العلماء المنسوبين إلى البلدان الأعجمية في المشرق الإسلامي
) لمؤلفه الدكتور ناجي معروف ـ رحمه الله ـ وهو كتاب لا يفرح به ولا يُعتمد عليه
في معرفة أنساب العلماء؛ لأن المؤلف ـ رحمه الله ـ لا ناقة له ولا جمل في علم
الأنساب، وتكلمه في هذا الباب بغير علم ولا تأصيل؛ أوقعه في أباطيل وأوهام كثيرة.
والكلام على أنساب
الأعلام ليس لكل أحد، وإنما هو للمتمكن العارف بأصول النسب وقواعده والحافظ لمسائل
الأعقاب، فهذا الحافظ ابن قانع على جلالة قدره ووافر علمه قال فيه الحافظ ابن حجر
العسقلاني في " الإصابة " ( 3/ 346): ( ساق له ابن قانع نسباً إلى
بكر بن وائل؛ وليس هو بعمدة في النسب ).
فإن الكلام في الأنساب بغير علم بوابة لكل باطل، قال العلامة الشوكاني في " أدب الطلب " (76): ( وأما إذا أخذ العلم عن غير أهله ورجح ما يجده من كلام لأهل العلم في فنون ليسوا من أهلها، وأعرض عن أهلها فإنه يخبط ويخلط ).
والدكتور ناجي معروف
ـ رحمه الله ـ تكلم في غير فنه، ونسب كثير من الموالي وغير العرب إلى العرب بأدنى
حجة موهمة، وحوَّل أنساب قبائل معروفة النسب إلى أنساب لا تُعرف لها ولا قال بها
أهل النسب، ونسب بعض العلماء إلى من لم يُعقب أو انقرض ولده، وذلك كله من عدم
معرفته في علم النسب وتكلمه في غير فنه، ورحم الله العلامة ابن الوزير اليماني
القائل في " العواصم والقواصم " ( 7/5): ( وأكثر الناس لا يصبرُ عن
الخوضِ فيما لا يعنيه، ولا يتكلم بتحقيق ما يخوض فيه، وهذا هو الذي أفسد الدين
والدنيا، فرحم الله من تكلم بعلم، أو سكت بحلم ).
وكان القائد له في كتابه " عروبة العلماء المنسوبين إلى البلدان الأعجمية " العاطفة القومية، فهو يفتش في كتب التاريخ والرجال ويقع على اسم عالم من خرسان، يُعرف بفلان بن فلان التميمي، فيأخذه ويضعه في كتابه بأنه من العرب من قبائل تميم، ولا ينظر إلى أقوال أهل النسب في هذا العالم هل هو من مواليهم أو من أنفسهم، ولا يهتم في معرفة مراتب النسابين ليقدم أقوالهم على غيرهم، وإنما حجته بأن مؤلف ذاك الكتاب ذكر نسبه التميمي ولم ينبه بأنه مولى، ويتمسك بهذا القول ولا يهتم بقول أهل الصنعة.
وقد رأيت الدكتور
بشار عواد قد أعاد طباعة هذا الكتاب واعتنى به، فقلت لعله نبه على هذه المغالطات
والأوهام الواضحة، مع علمي بأنه أيضاً لا ناقة له ولا جمل في علم النسب، ولكن
قلنا: طالما هو اعتنى بكتاب عمه، فلا بد أن يراجع كتب أهل النسب وأقوال العلماء ويُصلح
هذه الأوهام والمغالطات، ومع ذلك يمر على مغالطات وأباطيل كتاب " عروبة
العلماء " ولا يُعلق أو ينبه ولو بالإشارة إلى خطأ هذه الأقوال.
والذي دفع الدكتور ناجي معروف ـ رحمه الله ـ لتأليف هذا الكتاب، هو قول المؤرخ ابن خلدون حين زعم أن أكثر حملة العلم من العجم، فأراد أن يرد عليه ويُبطل كلامه، ولكن على طريقة سعد الذي قيل فيه: " أوردها سعد وسعد مشتمل، ما هكذا يا سعد تورد الإبل ".
وكلام المؤرخ ابن
خلدون ظاهر البطلان، فإن العلم إذا أطلق يقصد به العلم الشرعي إلا إذا قُيد، وحملة
العلم الشرعي الصافي والخالي من ( البدع والضلالات ) أكثرهم من العرب،
وأكثر من أفسد العلم هم العجم وعلى رأسهم ( الجعد بن درهم وغيلان الدمشقي وعمرو
بن عبيد والجهم بن صفوان وبشر المريسي ... ).
وهجرات قبائل العرب
إلى البلدان الأعجمية معلومة عند أهل النسب، ولكن تناول الأنساب بعاطفة قومية غير
منضبطة بالعلم تُفسد ولا تصلح، وتُخرج الأنساب الثابتة من أبراجها بغير علم، وخذ
بعض هذه الأمثلة أخي القارئ لتقف على جهل الدكتور ناجي معروف في أنساب العرب:
المثال
الأول: قال الدكتور ناجي
معروف في هامش ( ص 240) عند ترجمة ( رجاء المروزي: عربي من غِفار ): ( نسبة
إلى غفار: بطن من جاسم من العماليق، كانت منازلهم بنجد ).
قلت: وغِفار من كنانة عند أهل النسب، فكيف جعلها الدكتور ناجي معروف من القبائل
البائدة والتي لا بقية لها ولا أثر، وهم العماليق؟!!
وفي طبعة الدكتور
بشار عواد مر على هذا القول الباطل ولم يُنبه على بطلانه، حيث قال في " عروبة
العلماء " (1/345): ( نسبة إلى غِفار: بطن من جاسم من العماليق، كانت
منازلهم بنجد، وهو: غفار بن مليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن ... ينسب إليها
كثير، منهم: أبو ذر الغفاري الصحابي دفين الربذة ) فالكلام الأول في هذا النص
لناجي معروف وبعده لبشار عواد من قوله: ( وهو غفار بن مليل ... الخ ) وكما
ترى لم يُنبه على بطلان القول الأول بأن غِفار من العماليق البائدة، وإنما جمع
النقائض في تعليقه، فجعل غِفار من العماليق وأن غِفار هو ابن مليل بن ضمرة!!
والعماليق وغِفار لا يجتمعان.
المثال
الثاني: قال الدكتور ناجي
معروف في هامش ( ص 141) عند ترجمة ( ابن علاثة الحراني ) بعد أن رفع نسبه
إلى بني عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة،: ( عُقيل بضم العين: بطن من
بني أسد بن خزيمة من العدنانية ... ).
قلت: وعُقيل وبني أسد لا يجتمعان، فكيف جعل عقيل العامرية من بني أسد؟!
قال الحافظ السمعاني في " الأنساب " (9/341): ( العقيلي: بضم العين
المهملة وفتح القاف وسكون الياء المنقوطة باثنتين من تحتها، هذه النسبة إلى عقيل
بن كعب بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر، والمشهور بها أبو عبد
الرحمن عبد الله بن شقيق العقيلي البصري، من التابعين، سمع أبا هريرة وابن عباس
وعائشة ـ رضي الله عنهم ـ، وأبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى العقيلي الحافظ، قال
أبو الفضل المقدسي: هو منسوب إلى عقيل وأبو اليسير محمد بن عبد الله ابن علاثة بن
علقمة بن مالك بن عمرو بن عويمر بن ربيعة بن عقيل بن كعب ابن عامر بن ربيعية
العقيلي من أهل حران ... ).
وجاء بشار عواد في
طبعته في (3/117) ولم يُنبه على هذا الوهم.
وهذه الأمثلة تبين لك
أخي القارئ عدم المعرفة بأنساب قبائل العرب والخلط فيها والقصور في توضيح ذلك، فلا
يُعقل من كان هذا حاله أن يتصدر للكلام على أنساب العلماء وعروبتهم.
ولتوضيح هذا الأمر أكثر عند القارئ، ضربت في هذه المقالة بعض الأمثلة على الخلط والقصور الواقع في كتاب ( عروبة العلماء ) بأنساب العرب وحشره غير العرب إلى العرب، وأن مؤلفه ـ رحمه الله ـ (حوّاش) لا معرفة له في أنساب العرب وأصول علمهم في الكلام على الأنساب، وجعلتها على هذا النحو:
أولاً: عدم معرفة الدكتور ناجي معروف بأنساب بني هاشم.
ثانياً: أمثلة على عدم معرفة الدكتور ناجي معروف بأعقاب الصحابة ـ رضي الله
عنهم ـ وانقراضهم ، والتابعين.
ثالثاً: تساهل الدكتور ناجي معروف في نسبة الموالي إلى العرب.
وأباطيل كتاب " عروبة العلماء " كثيرة ومغالطاته عظيمة ومنهجه في الكلام على الأنساب ليس على منهج أهل البصيرة، ومقالتنا هذه توضح حاله ومنهجه وقصوره ـ غفر الله له ـ، ولو تتبعنا أباطيله كلها لوقع ذلك في مجلد.
ونشرع
الآن في بيان المقصود:
( عدم معرفة الدكتور ناجي معروف بأنساب
بني هاشم )
مما يدل على أن الدكتور ناجي معروف ـ غفر الله له ـ لا ناقة له ولا جمل في علم النسب، أنه ينسب العلماء إلى أصول القبائل دون الرجوع إلى قواعد وأصول علم النسب وأقوال أهل الصنعة، وهذا يدل على أنه " حواش " لا أكثر ولا أقل، وخذ هذا المثال:
·
قال الدكتور ناجي معروف في ( ص288): ( محمد بن معاذ الهروي: عربي
من بني هاشم: محمد بن معاذ بن عيسى بن ضرار بن أسلم بن عبد الله بن جبير بن أسد بن
هاشم ابن عبد مناف الهاشمي، من أهل هراة ... ).
قلت: نقل الدكتور ناجي معروف هذا النسب من " تاريخ بغداد "
ووضعه في كتابه " عروبة العلماء " دون النظر إلى بطلان هذا النسب أصلاً،
والخطيب البغدادي ـ رحمه الله ـ يُعذر في عدم التنبيه على ذلك؛ لأن كتابه "
تاريخ بغداد " لم يؤلف لتحرير أنساب أهلها ومن دخلها من حملة العلم، بخلاف
كتاب الدكتور ناجي معروف، الذي وضعه لتحرير أنساب العلماء المنسوبين إلى البلدان
الأعجمية وإثبات نسبهم العربي.
ثم أن من عادة أصحاب تواريخ المدن، أنهم لا
يحررون أنساب كل من سكن هذه المدينة أو دخلها، فالأمر فيه عُسر، وإنما ينشطون
أحياناً وينبهون على بعض الأنساب ويسكتون أحياناً؛ لأن الموطن ليس موطن تحرير هذه
الأنساب، وإنما هو موطن ذكر كل من سكنها أو دخلها من حملة العلم.
فليس كل من جاء ذكره في كتب الرجال أنه من بني هاشم أو من ولد بعض
الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ يكون نسبه ثابت وصحيح بحجة أن العالم ذكره في كتابه و
سكت عنه، فالعبرة بكلام أهل النسب لا بغيرهم.
ولبيان بطلان هذا
النسب الذي أورده الدكتور ناجي معروف في كتابه الخاص بأنساب العلماء وبيان
عروبتهم، نقول:
أولاً: لا يوجد هاشمي على وجه الأرض إلا من عقب عبد المطلب بن هاشم، قال ابن
قتيبة في " المعارف " ( 71): ( وليس في الأرض هاشمي إلا من ولد: عبد
المطلب بن هاشم، لأنه كان لهاشم ذكور لم يعقبوا ).
ثانياً: لم يولد لأسد بن هاشم إلا: ( حنين و خلدة وفاطمة ) وليس له
ولد اسمه ( جبير) قال نسابة قريش مصعب في " نسب قريش " ( 91): ( وولد
أسد بن هاشم: حنين بن أسد، وخلدة بنت أسد وأمها: أم ولد رومية تدعى مارية، وفاطمة
بنت أسد، ولدت لأبي طالب بن عبد المطلب ولده كلهم، وأمها: فاطمة بنت هرم بن رواحة
بن حجير بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤي، فولد حنين بن أسد: عبد الله، وأمه من بني
زهرة، فولد عبد الله بن حنين بن أسد: أم هارون، وكانت عند موسى بن سعد بن أبي
وقاص، فولدت له: هارون، وبجاداً، ابني موسى، وقد انقرض ولد أسد بن هاشم بن عبد
مناف بن قصي ).
وجاء الدكتور بشار
عواد في طبعته لكتاب " عروبة العلماء " وعنايته الخاصة به، ولم
يُنبه ولا نظر في كتب النسب ليصحح ما وقع فيه عمه الدكتور ناجي.
وقد نسب الدكتور ناجي
معروف في كتابه " عروبة العلماء " كثير من الأُسر والأعلام إلى
النسب العلوي الهاشمي دون تحقيق ونظر، وقد حذر المؤرخ السخاوي ـ رحمه الله ـ في
كتابه ( استجلاب ارتقاء الغرف ) (2/ 631ـ632 ) من هذا التساهل حيث قال: ( وعجيب
من قوم يبادرون إلى إثباته ـ أي: النسب الشريف ـ بأدنى قرينة وحجة موهمة ! يسألون عنها يوم لاينفع
مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ) وقال أيضاً : ( رحم الله مالكًا،
كيف لو أدرك من يتسارع إلى ثبوت ما يغلب على الظن التوقف في صحته من ذلك بدون تثبت،
غير ملاحظ ما يترتب عليه من الأحكام، غافلاً عن هذا الوعيد الذي كان معينًا على
الوقوع فيه؟! ... ).
( عدم
معرفة الدكتور ناجي معروف بأعقاب الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ وانقراضهم، والتابعين
)
يلحق الدكتور ناجي
معروف كل اسم من أسماء العلماء المنسوبين إلى الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ في
كتابه، دون أن يتحقق من صحة هذه الأنساب ولا الرجوع لأهل الاختصاص، وإليك هذه
الأمثلة:
أولاً: قال الدكتور ناجي معروف في ( ص 459): ( أبو الحسن الملقاباذي: عربي من ذرية معاذ بن جبل الخزرجي الأنصاري ).
قلت: لا يصح نسبه، فمعاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ انقرض ولده، قال النسابة
الحافظ ابن سعد في " الطبقات " ( 3/546): ( وليس له عقب ) وقال
الحافظ ابن عبد البر في " الاستيعاب " ( ليس له عقب )، وقصدهم من
هذه العبارة: ( ليس له عقب ) الانقراض؛ لأن معاذ بن جبل كان له من الولد
عبد الرحمن ولم يعقب عبد الرحمن، فاختصر أهل النسب والحديث وقالوا عن الأصل أنه لم
يعقب.
ومر الدكتور بشار
عواد في طبعته لكتاب " عروبة العلماء " (1/240) على هذا الكلام ولم
يُنبه وينقل كلام أهل النسب على انقطاع عقب معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ وليس هذا
بغريب ففاقد الشيء لا يُعطيه.
والدكتور ناجي معروف
نقل هذا النسب من كتاب " المنتخب من السياق " ولو قرأ طريقة المؤلف في
الكلام على نسب المولقاباذي لما قطع بنسبته لمعاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ حيث قال
في ( ص 102): ( أحمد بن علي بن أحمد بن معاذ المولقاباذي التاجر أبو الحسين،
شيخ مستور، ثقة، من مجاوري الجامع وذكر أنه من أولاد معاذ بن جبل ) فإن صاحب
" المنتخب من السياق " تحفظ على نسبه، قائلاً: ( وذكر أنه من أولاد
معاذ بن جبل ) ولم يقطع به.
فلا بد من الرجوع
لأهل النسب في تحرير الأنساب والأخذ بقولهم، وأما التفتيش في كتب التاريخ وجمع كل
ما قيل دون النظر والتحقيق ومراجعة كلام أهل الصنعة، فهو منهج يُلبس صاحبه ثوب
الأوهام والأباطيل.
ثانياً: قال الدكتور ناجي معروف في ( ص 230): ( إبراهيم الأحنفي
الجوزجاني: عربي من تميم من ذرية الأحنف بن قيس التميمي ) وقال أيضا في ( ص
416): ( أبو الفضل الهمذاني: عربي من نسل الأحنف بن قيس التميمي ) .
قلت: لا يصح نسبه، فالأحنف انقرض ولده، قال البلاذري في " أنساب
الأشراف " ( 314): ( فتزوج بحر، فولد له: سعيد بن بحر، فتزوج سعيد بن بحر
حفصة بن ربعي بن عمرو بن الأهتم، فمات ولم يولد له، ولم يبق للأحنف عقب من ذكر ولا
أنثى، وكانت للأحنف ابنة ماتت ) وقال ابن قتيبة في " المعارف "
(425): ( ولا عقب للأحنف ) وقال
ابن الأثير في " أسد الغابة " ( 1/179): ( وذكر أبو الحسن المدائني
أنه خلف ولده بحراً وبه كان يكنى، وتوفي بحر وانقرض عقبه من الذكور، والله أعلم
) وقال أيضاً في " اللباب " (1/55): ( قلت: هكذا قال: من ولد الأحنف
بن قيس، وقد قال أبو الحسن المدائني: إن الأحنف لم يكن له غير ولد واحد ذكر، وهو
بحر وبه كان يكنى، وبنت، فولد لبحر ابن ثم مات، وانقرض عقب الأحنف من الذكور
والإناث ) .
والمدائني حجة في علم
النسب، قال فيه الحافظ الذهبي كما في " السير " ( 10/400): ( كان
عجبا في معرفة السير والمغازي والأنساب وأيام العرب، مصدقاً فيما ينقله، عالي
الإسناد ).
ولم يولد للأحنف غير بحر، وليس له ولد غيره، وأما ( مرة والعباس) فهي أسماء موضوعة لا يجوز نسبتها لولد الأحنف بن قيس.
ثالثاً: قال الدكتور ناجي معروف في ( ص): ( ابن القيسراني: عربي من ذرية
خالد بن الوليد ) وذكر في ( ص 113) بعض الأسر الحاكمة في الجزيرة وكوركيل
وفنيك ونسبها إلى خالد بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ.
قلت: وهذا باطل، فعقب خالد بن الوليد القرشي ـ رضي الله عنه ـ منقرض، نصّ
على ذلك أوثق الناس في أنساب قريش وهم: ( مصعب الزبيري والزبير بن بكار )
وهم أهل الشأن وسدنة الأنساب القرشية.
قال النسابة مصعب في " نسب قريش
" ( 108 ) : (وقد انقرض ولد خالد بن الوليد؛ فلم يبق منهم أحد، ورثهم أيوب بن
سلمة دارهم بالمدينة ) .
وقال النسابة الزبير بن بكّار في
" جمهرة نسب قريش " (1/514) : ( وقد انقرض ولد خالد بن الوليد؛ فلم يبق
منهم أحد، ورثهم أيوب بن سلمة دارهم بالمدينة ) .
وقد قال بقول مصعب والزبير كثير من
أهل النسب، ومنهم:
·
قال
المؤرخ الكندي كما في " الذيل والتكملة " (1/252) : ( وقد انقرض ولد
خالد بن الوليد من كل موضع، فلا يجب أن يُسمع ممن انتمى إليه ).
·
قال
الحافظ ابن قتيبة في " المعارف " ( ص267) : ( وكان له بالشام عدد كثير من الولد فقتل
الطاعون منهم أربعين رجلاً، فبادوا ) .
·
قال الحافظ ابن حزم في " الجمهرة " (
138) : ( وكثر ولد خالد بن الوليد حتى بلغوا نحو أربعين رجلاً، وكانوا كلهم
بالشام، ثم انقرضوا كلهم في طاعون وقع، فلم يبق لأحد منهم عقب ) .
·
قال
الشريف النسابة ابن الجواني في ( المقدمة الفاضلية ) ( 65) : ( وقد انقرض ولد خالد
بن الوليد، فلم يبق له عقب، وكل من انتسب إليه فقد كذب) .
·
نقل
النسابة الأبيوردي في كتابه " زاد الرفاق " ( 79) انقراض ولد خالد بن
الوليد ـ رضي الله عنه ـ عند نقده لرواية ابن سُميع، حيث قال : ( فقد درج القوم
قبله بدهر طويل ) .
·
قال
الأنصاري المراكشي في ( الذيل والتكملة ) (1/252) : ( وقد أبى المعنيون بالنسب أن
يكون لخالد بن الوليد عقب ) .
وبعد هذا لا يجوز رد كلام هؤلاء
الأئمة الثقات، والقول بأن عقب خالد بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ قائم ومستمر، ولو
قال قائل: ( المثبت مقدم على النافي ) فنقول:
هذه عبارة ليست
على اطلاقها ولها ضوابط وليست على العموم، فإن
المثبت ليس في رتبة النافي؛ لأن النافي من أهل الاستقراء في أنساب قريش ومن أعلم
الناس فيهم بشهادة علماء الأمة، قال الزركشي في ( المحيط ) ( 4/200 ) : ( أن يكون
راوي النفي له عناية به، فيقدم على الإثبات ) فكيف بعد ذلك يُقدم المثبت
غير المختص والمتأخر على النافي المتقدم و صاحب الاختصاص والفقيه في أنساب قريش؟!
هنا تقع المكابرة .
وقد يقول قائل أيضاً: ( عقب خالد بن
الوليد ـ رضي الله عنه ـ انقرض فقط في المدينة النبوية ).
قلت: وهذا القول باطل، ولو أن عقب
خالد بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ قائم في غير المدينة لأشار إلى ذلك أعلم الناس
بأنساب قريش ( مصعب والزبير ) وإنما عمّموا الانقطاع بقولهم : ( ولم يبق منهم أحد
) والنسابة مصعب أمين ودقيق في نفي الأعقاب، فقد نقل ابن عبد البر الأندلسي في
" الاستيعاب " ( 2/266) قول مصعب
عن شُقران مولى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( قال مصعب وقد انقرض
ولد شقران، مات آخرهم بالمدينة في ولاية الرشّيد، وكان بالبصرة رجل منهم، فلا
أدري ترك عقباً أم لا ) فقد أشار النسابة مصعب على أن شُقران انقرض ولده ومات
آخرهم في المدينة، ثم أشار إلى أن في البصرة رجل من آل شُقران وقال : ( فلا أدري
أترك عقباً أم لا ) فلو كان لخالد بن الوليد عقب قائم في بلاد الإسلام في وقته،
لأشار له النسابة مصعب كما أشار إلى ذلك في ولد
شُقران مولى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي في البصرة، وعقب خالد بن الوليد يهتم له
النسابة مصعب أكثر من عقب شقران، ومع ذلك فقد بين أن عقب خالد انقطع كله ولم يبق
منهم أحد، وكذلك قال الزبير في " الجمهرة " (2/108) : ( فلم يبق من
ولد حذافة بن سعد بن سهم أحد، إلا أن يكون بقي أحدٌ من ولد عترس بن عبد الله
بن عمرو بن المسيب بن سمير بن موهبة بن عبد العزى بن حذافة وإخوته، إن كان بقي،
فهم بغير مكة والمدينة ) فهو ذكر انقراض ولد حذافة وإن بقي منهم أحد فهم في
خارج مكة والمدينة، فلو كان لخالد بن الوليد بقية في ديار الإسلام لأشار لهم مصعب
والزبير كما أشاروا في أنساب غيرهم، وإنما نقلوا انقطاع عقبه عامة دون استثناء
وهذا يدل على ثقتهم بانقراض عقب خالد ـ رضي الله عنه ـ .
وانظر ـ رعاك الله ـ إلى تحري
النسابة الزبير في بيان المعقبين والمنقرضين ومن شك في بقائهم عندما قال في "
الجمهرة " (2/141) : ( وقد انقرض ولد سعيد بن سليمان بن نوفل بن مساحق، وكان
عبد الجبار آخرهم، وبقيت بنت لعبد الجبار، تزوجت ابن هشام العامري، وبقيت ابنة
لمحمد بن سعيد، إلا أن تكونا ماتتا وأنا غائبٌ عنهما ) فهذا هو الزبير أعلم
الناس وأوثقهم في أنساب قريش وأحوالهم كما قال الحافظ الناقد ابن حجر في "
الإصابة " ( 4/317) : ( فإن الزبير بن بكار أعلم من غيره بنسب قريش وأحوالهم
) .
وقد فصلت في هذه المسألة في كتابنا " طل السحابة في ذكر من لم يعقب أو انقرض عقبه من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ " راجعه.
رابعاً: قال الدكتور ناجي معروف في (
ص 188): ( أبو عطية الهروي: عربي من ذرية أبي أيوب الأنصاري ) وقال أيضاً في ( ص
212): ( عبد المعز الهروي: عربي من الأنصار ) ونسبه إلى أبي أيوب الأنصاري.
قلت: لا تصح أنسابهم، قال الحافظ
النسابة ابن سعد في " الطبقات " ( 3/449 ) : ( وكان لأبي أيوب من الولد
عبد الرحمن، وأمه أم حسن بنت زيد بن ثابت بن الضحاك من بني مالك بن النجار ، وقد
انقرض ولده، فلا نعلم لهم عقباً ) وتابعه في هذا الحافظ النسابة الدمياطي في
" أخبار قبائل الخزرج " ( 290) وذكر من أولاد أبي أيوب الأنصاري: ( ابنته
عمرة وولده عبدالرحمن ) وقال عند ذكر عبد الرحمن : (وقد انقرض، ولا نعلم له عقباً،
قاله ابن سعد ) .
وأما قول الحافظ ابن عبد البر في
" الاستيعاب " ( 4/169) : ( ولأبي أيوب عقب )، وتابعه في هذا ابن قدامة
في " الاستبصار " ( 71) وقال: ( وله عقب )، وقصدهم أن الصحابي أبي أيوب
ـ رضي الله عنه ـ أعقب " عبد الرحمن وعمرة " حتى لا يظن أنه لم يُعقب بقصد العُقم، فقالوا:
له عقب، والحافظ ابن سعد بيّن أن عبد الرحمن ولد أبي أيوب الأنصاري انقرض عقبه، أي:
كان له ولد ثم انقرضوا.
والحافظ النسابة ابن سعد أخذ أنساب الأنصار من أعلم الناس وأوثقهم فيها، وهو: ( ابن عمارة الأنصاري ) قال ابن سعد في " الطبقات " (3/5ـ6): ( وفيما أخبرنا به عبد الله بن محمد بن عمارة الأنصاري عن زكرياء بن زيد بن سعد الأشهلي وزكرياء بن يحيى بن أبي الزوائد السعدي، وأبي عُبيدة بن عبد الله بن محمد بن عمار بن ياسر وإبراهيم بن نوح بن محمد الظفري، وعن غيرهم ممن لقي من أهل العلم والنسب بتسمية من شهد مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بدراً والنقباء وعددهم وتسميتهم وغيرهم ممن صحب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ) وقال فيه أيضاً في "الطبقات " ( 3/408): ( وكان عالماً بنسب الأنصار ) ..
خامساً: قال الدكتور ناجي معروف في (
ص 385): ( أبو بكر العياضي السمرقندي: عربي من نسل الصحابي سعد بن عبادة الأنصاري )
ورفع نسب أبي بكر العياضي إلى قيس بن سعد بن عبادة، حيث قال في ( ص 385): ( وتمام
نسبه: العباس بن الحسين بن جبلة بن غالب بن جابر بن نوفل بن عياض بن قيس بن سعد بن
عبادة الصحابي الأنصاري المعروف بالعياضي ).
قلت: ولا يصح نسبه، وقد نصّ النسابة
ابن شجرة وابن طباطبا وابن الجواني على انقراض قيس بن سعد ـ رضي الله عنه ـ كما في
( ذيل طبقات الحنابلة ) (1/27) لابن رجب، عند ترجمة " عبد الواحد بن محمد
الشيرازي المقدسي " قال: ( قرأت بخط جده ناصح الدين عبد الرحمن بن نجم، قال :
كتبت إلى الشريف النسابة ابن الجواني كتاباً إلى مصر أسأله : هل نحن من ولد قيس بن
سعد أو من أخيه ؟ فجاءني خطه في جزء، يقول : قيسٌ بن سعد انقرض عقبه، وحكاه عن
جماعة من النسابين، مثل ابن شجرة وابن طباطبا وغيرهما، وقال : إنما أنتم من
ولد أخيه عبد العزيز بن سعد بن عبادة ) .
وكذلك نص النويري في " نهاية الأرب " ( 2/331) قائلاً: ( وقد
انقرض قيس بن سعد بن عبادة ) وحتى أن الحافظ أبي المفضل الشيباني ( ت387 هـ )
لما طلب منه ابن العماري أن يُخرج أصل روايته للحديث الذي تفرد به الإمام ابن
خزيمة، كما في " تاريخ دمشق " ( 29/301) لابن عساكر، فقال له: ( أنت
تنتسب إلى قيس بن سعد وهو عقيم، فكان هذا جوابه ) وقد كان ابن العماري ينسب
نفسه إلى قيس بن سعد، ومعنى كلام أبي المفضل الشيباني أن لا أصل لروايته للحديث
الذي تفرد به ابن خزيمة، كما لا أصل لانتسابك إلى قيس بن عبادة يا بن العماري.
وقول أبي المفضل الشيباني بأن قيس بن
سعد عقيم لا يصح، بل أعقب وكان له ولد ثم انقرضوا، ويقع خلط عظيم في نسب ولد ( سعيد
بن سعد بن عبادة ) حيث يربط ولد سعيد بن سعد بن عبادة عمود نسبهم بعمهم قيس بن سعد
لشهرته، ومن هنا يقع الإشكال والخلط، ووقع هذا في بعض الأنساب، ومثاله ما ذكره
الحافظ ابن سعد في " الطبقات " ( 3/454) عند ترجمة سليم بن قيس بن فهد،
حيث قال: ( وليس له عقب، والعقب لأخيه قيس بن قيس بن فهد، وبعضهم ينتسب لسليم؛
لشهوده بدراً ).
( تساهل ناجي معروف في نسبة غير
العرب إلى العرب )
ينسب الدكتور ناجي معروف كثير من غير العرب إلى العرب بأدنى شبهة، ولا يُحرر أنساب العلماء ويثبت عروبتهم بنقل أقوال أهل النسب، وإنما يترجم لهذا العالم بأنه من العرب ويذكر تحت الترجمة المصادر التي رجع لها، ولا يتحقق من هذه الأقوال ويراجعها ويُحكِّم الأصول والقواعد النسّبية فيها، فهو غريب عن هذا التأصيل، ولا هو من أهل هذا الفن ليخوض فيه، وإنما قادته العاطفة القومية في نسبة كثير من حملة العلم من الموالي إلى العرب، فوقع في الأباطيل والأوهام، وسوف نذكر للقارئ عدة أمثلة من كتابه حتى يقف على بطلان منهجه في الكلام على أنساب العلماء:
المثال
الأول: قال الدكتور ناجي
معروف ( ص 147): ( هشيم بن بشير البخاري: عربي من سُليم ).
قلت: هو من مواليهم لا من أنفسهم، قال الحافظ النسابة ابن سعد في "
الطبقات " ( 9/315): ( هشيم بن بشير، ويكنى أبا معاوية، مولى لبني سليم
) وقال الحافظ علي بن المديني في " العلل " ( 39): ( ومن أهل واسط:
هشيم بن بشير، مولى بني سليم، ويكنى أبا معاوية، مات سنة ثلاث وثمانين ومائة )
وكذا ابن النديم في " الفهرست " و ابن الجوزي في " الصفوة " (
2/8).
وعلق الدكتور ناجي
معروف على كلام الحافظ ابن سعد في " عروبة العلماء "( ص 148) قائلاً: ( ولم يذكر ذلك خليفة ابن خياط في
طبقاته، بل قال في ص 326 هو: من بني سليم، علماً أن تاريخ خليفة من جملة مصادر ابن
سعد، ولم يذكر الخطيب البغدادي ولا ابن حجر العسقلاني ولا الذهبي في تذكرة الحفاظ
أنه من الموالي ).
قلت: وفي كلامه
أوهام، فإن خليفة ابن خياط ليس من مصادر ابن سعد، بل من معاصريه، وعدم ذكر الخطيب
البغدادي والذهبي وابن حجر أنه مولى ليس دليلا على أنه عربي صليبة، والحافظ ابن
سعد صّرح بأنه مولى وهو نسابة متمكن وكذا الحافظ ابن المديني.
المثال
الثاني: قال الدكتور ناجي
معروف في ( ص 225): ( أبو حفص البلخي: عربي من ثقيف ).
قلت: هو عمر بن هارون بن يزيد الثقفي أبو حفص البلخي، من موالي ثقيف لا من
أنفسهم، كما عند الحافظ ابن عساكر في " تاريخه " (24/ 743) و ابن حجر
العسقلاني في " لسان الميزان " ( 7/321) ومغلطاي في " الإكمال
" ( 5/501)
المثال
الثالث: قال الدكتور ناجي
معروف في ( 356): ( أبو محمد الرازي: عربي من تميم، عبد الرحمن بن محمد بن أبي
حاتم بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران التميمي الحنظلي ).
قلت: وهو من موالي
تميم لا من أنفسهم، وقد بين ذلك ابن أبي حاتم كما في " تاريخ دمشق "
(52/10) لابن عساكر بسنده عن علي بن إبراهيم الرازي، قال: ( سمعت أبا محمد عبد
الرحمن بن أبي حاتم، قال: قال أبي: نحن من موالي بني تميم بن حنظلة من غطفان )
ولو كان ابن أبي حاتم من العرب لبين ذلك وانتسب للعرب، لكنه بين بأنه من موالي
تميم وهذا من صدقهم .
وليس في غطفان تميم
بن حنظلة.
ومن اضطراب الدكتور
ناجي معروف، أنه قال في ( ص 356 ): ( أبو محمد الرازي: عربي من تميم ) وفي
( ص291) قال: ( أبو حاتم الرازي: عربي من غطفان ) فعند الابن نسبه لتميم
وعند الأب نسبه لغطفان، لقصوره في توضيح أنساب الأعلام، وأنه حواش لا غير.
المثال
الرابع: قال الدكتور ناجي
معروف في ( ص 164): ( إسحاق بن سليمان الرازي: عربي من بني عبد القيس ).
قلت: وهو من موالي عبد القيس لا من أنفسهم، قال الحافظ النسابة ابن سعد في
" الطبقات " ( 9/385): ( إسحاق بن سليمان، ويكنى أبا يحيى مولى لعبد
القيس ).
المثال
الخامس: قال الدكتور ناجي
معروف في ( ص 347): ( أبو إسحاق النيسابوري: عربي من جُذام ) .
قلت: ليس هو من جُذام، وإنما يُعرف بالخدامي بكسر الخاء، نسبة لسكة خِدام
بنيسابور، وليس من جُذام القبيلة القحطانية المنتشرة في فلسطين والأردن ومصر، قال
السمعاني في " الأنساب " ( 2/330): ( وبهذه النسبة ـ أي الخِدامي ـ:
أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم النيسابوري الفقيه من
سكة خِدام، كذا قال ابن ماكولا، وسكة خِدام بنيسابور بمحلة باب عزرة ).
ولعل هذا
من وهم البصر لا البصيرة!!
المثال
السادس: نسب الدكتور ناجي
معروف الإمام أبي حنيفة إلى العرب، وألف رسالة في ذلك بعنوان ( عروبة الإمام
أبي حنيفة النعمان ) وهي رسالة شاهدة على جهله بأصول علم النسب وقواعده، وعدد
بعض الأقوال في نسب أبي حنيفة في كتابه ( عروبة العلماء ) ( ص 43) وقال: (فأبو
حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي عربي صميم من الأنصار، في رواية الإمام أبي مطيع
البلخي، وفي رواية أخرى أنه عراقي الأصل من مدينة بابل أي أنه عربي من الساميين من
بقايا العمالقة البابليين، وأوصل بعض المؤرخين نسبه مسلسلاً إلى إبراهيم الخليل،
وكل ذلك ينفي عنه النسب الفارسي أو الأفغاني ويرجعه إلى حظيرة العرب ).
قلت: تظهر العاطفة القومية في كلامه، فهو يُريد إدخاله في نسب العرب ولو
بالعباطة، ولو لم يثبت له نسب في القبائل فهو يبقى عراقي الأصل من بقايا العمالقة!
وهل للعمالقة أثر وبقية؟!
وهذا الكلام يبين لك
أخي القارئ بعده عن أصول النسب وجهله فيه، فهو لا ينظر إلى أقوال أهل النسب الثقات
وإنما ينتقي الأقوال التي توافق عاطفته القومية، ولو كان على علم ومعرفة بمراتب
النسابين لما قدم عليهم أحد.
فإن أهل بيت أبي
حنيفة بينوا أنهم من العجم، قال عمر بن حماد بن أبي حنيفة النعمان كما في "
السير " ( أما زوطي فإنه من أهل كابل، وولد ثابت على الإسلام، وكان زوطي
مملوكاً لبني تيم الله بن ثعلبة، فأعتق فولاؤه لهم، ثم لبني قفل ) وزوطي جد
أبي حنيفة هو زوطي بن ماه، وهذه الأسماء الأعجمية شاهدة على نسبه، فإن ذاك القرن
من المحال أن يتنصل العربي من الأسماء العربية ليتسمى بزوطي وماه.
وقال إسماعيل بن حماد
بن أبي حنيفة كما في ( مغاني الأخيار ) ( ص121): ( أنا إسماعيل بن حماد بن
النعمان بن ثابت بن المرزبان من أبناء فارس الأحرار ... ) .
فهذا عمر وإسماعيل
أبناء حمّاد بن أبي حنيفة بينوا أنهم من العجم، ولو كانت لهم شهرة بأنهم من العرب
لذكروا ذلك، وهم العُمدة في نسب النعمان بن ثابت، قال البدر العيني في "
معاني الأخيار " ( ص121): ( والأصح في هذا الرجوع إلى قول إسماعيل بن حماد
بن أبي حنيفة؛ لأنه أخبر بنسبه ونسب جده من غيره ) والرجوع إليهم هو الأصح
لصدقهم في الانتساب؛ لأن النسب العربي شرف ومطمع، وما مالوا عليه لصدق انتماءهم.
ومن مراجع الدكتور
ناجي معروف في كتابه ( عروبة العلماء ) كتاب ( الجواهر المضية ) للقرشي، وقد رفع
القرشي نسب أبي حنيفة إلى يعقوب بن إسحاق ـ عليهما السلام ـ وهو باطل، ويُحيل لهذا
الكتاب في نسب كثير من الأعلام الذين ذكرهم في كتابه ( عروبة العلماء ) وهو كتاب
لا يعتمد عليه في الأنساب.
( الخاتمة )
تبين لك أخي القارئ
المنصف من هذه المقالة بطلان منهج الدكتور ناجي معروف ـ رحمه الله ـ في الكلام على
أنساب العلماء، وأن منهجه قائم على هذا النحو:
أولاً:
عدم المعرفة بأصول وقواعد النسب.
ثانياً:
التساهل في رفع أنساب الموالي إلى العرب.
ثالثاً:
عدم المعرفة في مسائل الأعقاب.
رابعاً:
عدم المعرفة في أنساب العرب.
ومن كانت هذه صفاته
لا يجوز له أن يتصدر في الكلام على أنساب العرب، فيقع في الخلط والعبث ويقطع ما
أمر الله به أن يوصل.
ونسأل الله أن يجعل
مقالنا هذا في ميزان حسناتنا يوم لقائه.
" وسبحانك اللهم
وبحمدك، أشهد أن إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك ".
وكتبه:
أبو سهل أحمد بن
سليمان بن صبّاح أبوبكرة التُرباني
17ـ محرم ـ 1442هـ
جرش ـ الأردن