زَجرُ وبرُ اليمن ـ عرفات الفتاحي ـ وقفات مع تكفيره لجد النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ الأعلى ـ عدنان ـ ورده إجماع الأمة

 



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

أخرج ابن أبي شيبة في " المصنف " ( 14/373) قيل لأبي جهل في مسيره لغزوة بدر: ( أرأيت مسيرك إلى محمد، أتعلم أنه نبي؟ قال: نعم، ولكن متى كنا تبعاً لنبي عبد مناف )، فكان الكِّبرِ والتعصّب دافعاً لردِ الحق والسعي في التشويشِ عليه، وإذا ملكت العصبية قلب أحدهم دفعته إلى سوء القصد كما قال الجرجاني في " الوساطة بين المتنبي وخصومه " ( 1/414): ( ومتى استحكمت ـ أي العصبية ـ ورسخت، صوّرت لك الشيء بغير صورته، وحالت بينك وبين تأمله، وخطّت بك الإحسان الظاهر إلى العيب الغامض، وما ملكت العصبية قلباً فتركت فيه للتثبت موضعاً؛ أو أبقت منه للإنصاف نصيباً ).

فجاءت هذه العصبية الفاسدة وسوء المقصد و ـ الكذب ـ في هيئة " وبرُ اليمن ـ عرفات الفتاحي ـ "، والذي كتب مقالة قديماً بعنوان: " الجد العربي المسمى ـ عدنان ـ بين الحقيقة والزيف "، أنكر فيها جد النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ ( عدنان ) ثم لما رددنا عليه راغ وتنصّل منها ـ تقية ـ وراسلني ببراءته من هذا القول وهو كذاب.



ثم عاد بالأمس ونزع ـ التقية ـ وأنكر عدنان ـ جد النبي الأعظم ـ وزاد فُحشاً بأن حَكم بكُفرهِ (!)، بغير برهان وعلم وإنما بعصبية وطيشٍ فتّاحي، فدلَّ ذلك على كذبه واصراره على هذا القول الفاحش وزاد فحشاً بالحكم على ( عدنان ) بالكُفر! 







ويرى " وبرُ اليمنِ ـ عرفات ـ " أن نسبة قحطان إلى إسماعيل ـ عليه السلام ـ بناء على مذهب أهل المدينة النبوية الذي نقله لنا الحافظ ابن زنجوية ( ت258هـ ) وقال به المبرزين من أهل النسب والعلم وعلى رأسهم ـ ابن الكلبي والزبير ـ، مَذمة ومنقصة لقحطان؟! ـ والعياذ بالله ـ، ويتغافل عن عمل أهل السنة والجماعة بأن ولد إسماعيل أشرف العرب نسباً، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في " اقتضاء الصراط المستقيم " ( 374): ( فإن الذي عليه أهل السنة والجماعة: اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم، عبرانيهم، وسريانيهم، روميهم وفرسيهم، وغيرهم، وأن قريشاً أفضل العرب، وأن بني هاشم أفضل قريش )، وهذا مسلك الخليفة الثاني عمر بن الخطاب كما قال ابن تيمية " اقتضاء الصراط المستقيم " ( 405): ( وأنظر إلى عمر بن الخطاب، حين وضع الديوان، وقالوا له: يبدأ أمير المؤمنين بنفسه، فقال: لا، ولكن ضعوا عمر حيث وضعه الله، فبدأ بأهل بيت رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ ثم من يليهم حتى جاءت نوبته في بني عدي وهم متأخرون عن أكثر بطون قريش، ثم هذا الإتباع للحق ونحوه )، فكان ترتيب العرب في ديوان العطاء الذي وضعه الخليفة الثاني عمر بن الخطاب: ولد عدنان ثم ولد قحطان، وما أجمل قول شيخ الإسلام ابن تيمية في " اقتضاء الصراط المستقيم " ( 404): ( أن الذي يجب على المسلم إذا نظر في الفضائل، أو تكلم فيها، أن يسلك سبيل العاقل الدَّيّن، الذي غرضه أن يعرف الخير، ويتحراه جهده، ليس غرضه الفخر على أحد ولا الغمص على أحد ).

وأما " وبرُ اليمن ـ عرفات ـ " فهو من أبعد الناس عن هذا المسلك، وإنما تقوده العصَّبية من أنفه إلى الطعن في جد النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ ( عدنان ) والتشويش عليه وإنكاره؛ ثم تكفيره إذا ثبت عنده ( عدنان )، ورحم الله الحافظ الذهبي القائل في " السير " ( 15/465): ( واليوم يُكثرون الكلام مع نقص العلم وسوء القصد؛ ثم إن الله يفضحهم، ويلوح جهلهم وهواهم واضطرابهموطيشه وقلة علمه تدفعه إلى الجُرأة على التكفير والكلام بغير علم دون تثبت أو الحيطة كما هو دأب أهل العلم، ورحم الله القائل في" أدب المفتي والمستفتي " ( 1/12): ( واستعمال التوقّي أحوط من فرطات الأقدام ).

وبعد فرش هذه العتبة بفساد مقصد المدعو " عرفات " وكذبه، نعود إلى التعليق على أقواله:

1ـ إنكاره لجد النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ ( عدنان ) ورده إجماع الأمة الذي نقله لنا أئمة الإسلام.

2ـ تكفيره لجد النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ ( عدنان ).

ونشرع في بيان جهله وزعارته وفساد كلامه على هذا النحو:

أولاً: معرفة الصحابة وأبناءهم من قريش جدهم الأعلى ( عدنان ):

قال عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ كما في " الإنباه " ( 43): ( إنما ننتسب إلى عدنان، وما وراء ذلك لا أدري ما هو )

قالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ كما في " المعجم الأوسط " (8249): ( استقام نسب الناس إلى معد بن عدنان ) .

قال عروة بن الزبير كما في " الطبقات " ( 1/40): ( ما وجدنا أحداً يعرف ما وراء معد بن عدنان ولا قحطان إلا تخرصاً ).


ثانياً: أجمعت الأمة على أن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ  ينتسب إلى عدنان:

1ـ قال الحافظ ابن عبد البر في " الاستيعاب " ( 26): ( وقد روي من أخبار الآحاد عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه نسب نفسه كذلك إلى نزار بن معد بن عدنان، وما ذكرنا من إجماع أهل السير وأهل الأثر يغني عما سواه ) وقال أيضاً في " الإنباه " ( 53): ( لا خلاف بين أهل العلم بالنسب أن العرب كلهم يجمعها جذمان، فأحدهما: عدنان، والآحر قحطان، فإلى هذين الجذمين ينتهي كل عربي في الأرض، ولا يخلو أحد من العرب من أن ينتمي إلى أحدهما، ولا بد أن يقال عدناني، أو قحطاني ) .

 ساق الحافظ النووي في " تحرير ألفاظ التنبيه " ( 81): نسب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى عدنان، وقال: ( إلى هنا إجماع الأمة ).

 قال الحافظ الذهبي في " تاريخ الإسلام " (1/479): ( نسب سيد البشر إلى عدنان بإجماع الناس ).

 قال ابن قيم الجوزية في " زاد المعاد " ( 1/70): ( ولا خلاف بينهم أن عدنان من ولد إسماعيل ) .

 قال السبكي في " طبقات الشافعية الكبرى " ( 10/412): ( ومرجع أنساب العرب كلهم إلى هذين الاسمين عدنان وقحطان ) .

 

ثانياً: ساق أهل الحديث نسب النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ إلى عدنان:

ساق البخاري عمود نسب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى عدنان، كما في " صحيحه " ( 3851) وقال: ( محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ).

قال الحافظ ابن حبان في " مشاهير علماء الأمصار " (9): ( إلى عدنان انتهت أنساب العرب ) وقد ساق الحافظ ابن حبان عمود نسب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى عدنان.

3ـ قال الحافظ ابن عبد البر في " الاستيعاب " ( 26): ( وقد روي من أخبار الآحاد عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه نسب نفسه كذلك إلى نزار بن معد بن عدنان ).

4ـ قال الحافظ الحاكم النيسابوري كما في " الجامع لشعب الإيمان " ( 3/295): ( نسبة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ صحيحة إلى عدنان ) .

هذا الإجماع وهذه الأقوال لا يرفع المدعو عرفات الفتاحي لها رأساً بل يرمي أصحابها بالجهل وأن هذا الإجماع قائم على أصول مكذوبة!

فهل غفل الأئمة الأعلام عن هذا الأصل الباطل الذي عرفه وَبرُ اليمن؟!

ثانياً: تكفير المدعو عرفات الفتاحي لجد النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ الأعلى ـ عدنان ـ :

لم نسمع من الأولين والآخرين من قال بكفر ( عدنان ) الجد الأعلى للنبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ، ولا رأينا من أنكره أصلاً من علماء الأُمة المعتبرين، وإنما سمعنا هذا من وَبرُ اليمن ـ عرفات الفتاحي ـ والذي وافق اليهودي " جولد تسهير " في إنكاره لأجداد العرب وعلى رأسهم ـ عدنان ـ، وفاقه بأن زاد عليه بأن حكم بِكفرِ ( عدنان ) ـ إن وُجِّدَ ـ!

والحُكم على جدِ النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ الأعلى ـ عدنان ـ بالكُفرِ يحتاج إلى حجج شرعية من أقواله ـ عليه الصلاة والسلام ـ وأقوال أصحابه ـ رضوان الله عليهم ـ، ولا أعلم من سلف ( وبرُ اليمن ـ عرفات ـ ) بتكفير الجد الأعلى للنبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ؟

وهل يقبل دُعاة السنة في اليمن العريق هذه الأقوال الخبيثة؟!

هل يطول حُكم عرفات الفتاحي بكفرِ ( عدنان )؛ شقِ العرب الآخر: جَدّنا ( قحطان )؟! أم أن عدنان عنده كافر (!) وقحطان من أهل التوحيد؟!

نعوذ بالله من الهوى والعصبية

هل هذه المُجازفات الخالية من الحجج الشرعية وأقوال سلف الأمة يقبلها دُعاة السنة في اليمن الشامخ؟!

جاء في الصَّحاحِ قول النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ عن عمرو بن لُحي الخزاعي: ( أول من غير دين إسماعيل )، وفي رواية: ( أول من غير دين إبراهيم )، وهذا صريح خبر المعصوم في أن الأصل في العرب ـ ولد إسماعيل ـ بأنهم حنفاء؛ ثم انحرفوا عن التوحيد إلى الشرك زمن عمرو بن لُحي الخُزاعي ـ سيد مكة ـ، فالأصل في ( عدنان ) الجد الأعلى للعرب العدنانية أنه على دين أبيه إبراهيم ـ عليه السلام ـ، والانحراف حدث في ولده، والحكم بكفرهِ يحتاج إلى نصٍ نبوي وأقوال سلف الأمة من الصحابة وعلماء الإسلام.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في " اقتضاء الصراط المستقيم " ( 351): ( ومعلوم أن العرب قبله ـ أي عمرو بن لُحي ـ كانوا على ملة أبيهم إبراهيم على شريعة التوحيد، والحنيفية السمحة، دين أبيهم إبراهيم ).

قال أيضاً في " الجواب الصحيح " ( 123): ( فإن العرب من ولد إسماعيل وغيره الذين كانوا جيران البيت العتيق الذي بناه إبراهيم وإسماعيل كانوا حنفاء على ملة إبراهيم إلى أن غير دينه بعض ولاة خزاعة وهو عمرو بن لُحي، وهو أول من غير دين إبراهيم بالشرك ... ).

قال الشيخ سليمان آل الشيخ في " تيسير العزيز الحميد " ( 1/257): ( وكانت العرب قبله ـ أي عمرو بن لُحي ـ على دين أبيهم إبراهيم عليه السلام حتى نشأ فيهم عمرو فأحدث الشرك ).

قال الشيخ صالح الفوزان في " عقيدة التوحيد " ( 1/71): ( كانت العرب بعد ذلك على دين إبراهيم ـ عليه السلام ـ حتى جاء عمرو بن لحي الخزاعي فغير دين إبراهيم وجلب الأصنام إلى أرض العرب ).

وختاماً:

قال دُرة الشام الإمام الألباني في " النصيحة " ( 7): ( كشف جهل الجاهل للتحذير منه طريق علماء الإسلام منذ قديم الزمان لنقض كل منحرف هجّام ونقد كل متطاول هدّام )، فلما تطاول ـ وبرُ اليمن ـ ( عرفات الفتاحي ) الهجّام على جد النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ الأعلى ـ عدنان ـ والهدّام لشخصه وتكفيره بغير حجة وبرهان وإنما بالكذب والقول على الله بغير علم، لزم بيان فساده وجهله وزعارته على علم النسب الشريف وتعصّبه الجاهلي الذي يمجه عقلاء بني آدم.

وكتبه:

أبوسهل: أحمد أبوبكرة التُرباني الجُذامي القحطاني.